أعلان الهيدر

الاثنين، 22 أبريل 2019

الرئيسية الدغباجي رمز للبطولة الشعبية

الدغباجي رمز للبطولة الشعبية


الدغباجي رمز للبطولة الشعبية

كثيرا ما يمتزج القصّ التاريخي بالتخريف الشعبي وخاصّة في تناول سيرة الأبطال حيث يرتبطان معا في وحدة عضوية يصعب على الدّارس التمييز بشكل قاطع بين مختلف المكوّنات الواقعية 
والخيالية وحتى الأسطورية فيها، فسيرة الدغباجي الواردة في الكتابات التاريخية وخاصة كتاب محمد المرزوقي الذي عمد إلى جمع الأشعار والروايات الشفوية لأشخاص رافقوه في كفاحه وآخرون أحبّوه ومجّدوه في أشعارهم، فاختلط التاريخي بالرواية الشفوية ممّا أفرز مدوّنات شفوية شعبية هامّة لم تقف عند حدود الكتابة الشعرية بل بلغت إلى تشكيل موروث خرافي لا يختلف كثيرا عمّا ذكرى في المدونّة التاريخية ، إلاّ أنّها ساهمت في تشكيل رصيد خرافي هام منح الدغباجي بعدا عجائبيا، حاول محمد المرزوقي التملّص منه نحو تحصيل كتابة تاريخية يغلب عليها ذلك النسق الواقعي في مجملها، لكن هذا لم يمنع الكثير من نساء ورجال (مدينة الحامة) على القدح في كتاب المرزوقي على اعتباره يحتوي نقصا، وعدم الإيمان به نظرا لامتلاكهم رصيدا خرافيّا يسمو ببطلهم إلى مرتبة عليا تشكلت عن طريق إيمان الراوي بذلك المدّ الخرافي واعتباره حقيقة واقعية لا ريب فيها، وهنا تتشكّل مثيولوجيا معقّدة لكنّها تساهم في صياغة صورة جديدة متّسمة بذلك البعد الخرافي الأسطوري لهذا البطل ليحقّق الاختلاف عمّا ذكرته المدوّنة التاريخية، ولتأكيد هذا اتجّهنا نحو النّبش في الذاكرة الشعبية وتجميع والاطلاع على جملة الروايات والخرافات التي تخصّ الدغباجي انطلاقا من روايات الجنوب التونسي وخاصة مدينة الحامة ومارث ومدنين إضافة الى روايات اهالي مدينة قفصة وسيدي بوزيد كما استعنّا بروايات ليبية تخصّ المرحلة التي قضّاها الدغباجي بليبيا إلى حدود إعدامه في غرة مارس 1924.
ما دار حول الدغباجي من خرافات تلبّي طموحات الروّاة ورغباتهم الفكرية والثقافية، بالرّغم من التملّص من إسناد الرواية أو الخرافة إليهم وذلك بعبارات مثل: "سمعنا أو قالوا لنا"، ممّا نلاحظ توارث سيرة هذا البطل جيلا بعد جيل. هذا ما فتح باب التنوّع في صورة البطل من صور خرافية، أسطورية عبر تثبيت خارقة للبطل تسمو به إلى مصاف الخوارق ليكون صراعه مع الأعداء مستجيبا لرغباتهم النفسية والعاطفية، فانتصار البطل انتصارا لهم، وكثيرا ما تمتزج ذات الراوي وأشواقه بذات البطل ويتحّول فعل "خرفلي" عن الدغباجي بـ"خرفني" في الدغباجي، وهذا ما نستشفّه في أسباب ودوافع الدغباجي نحو التمرّد والثورة على الاستعمار التي اختلفت من راوي إلى آخر لتحقيق المبالغة الشيقة والتوجه نحو تضخيم البطل، ومثالا يستحق إعجاب الناس فالبطل مثل لهم بعبارة المؤرخ فتحي ليسير "عكاز العاجز وسيف المظلوم" فحينما يصاب الشعب العمى لا يستهدي إلا بعكاز أبطاله.
هذا ما نستخلصه من مكانة البطل لدى الروّاة الذين استمعنا إليهم والذين اكتنزوا على موروث شفوي نابع من مخيالهم ووجدانهم الشعبي أدّى في الأخير إلى خلود البطل وتمتّعه بسجايا مكنته من السمّو إلى مصاف الأبطال والخوارق ويتحوّل إلى رمز للثورة تغنّى به العديد من الشعراء فبقى راسخا في ذاكرة من حمل السلاح من بعده ليكون دافعا لاستكمال النضال، ولعلّ قول هذا الشيخ معبرا على رمزية الدغباجي وأبطال آخرين عند انضمامه للقوات العربية لنجدة فلسطين والمنقول من كتاب"من الصعلكة الشريفة إلى البطولة الوطنية": "التمعت في ذهني عشية الالتحاق بجبهة القتال في أفريل 1948 أسماء الدغباجي وبن ساسي وبن مذكور وبن عسكر وغيرهم من أشهر السلاح في وجه المستعمر بهذه الربوع ولا أدري لماذا انثال على حين أزفت ساعة الرحيل إلى"بر الشرق"، خليط من الصور والذكريات والأفكار: أشياء عشتها، وأخرى سمعت عنها وحفرت في الذاكرة ومن بينهم أسماء من ذكرت من المجاهدين..."
بهذا تحوّل الدغباجي إلى رمز يتخّذه المستضعفين لاستكمال نضالهم أو لشدّ عزائمهم نحو المقاومة، فصورة الدغباجي أو بالأحرى صوره المختلفة تحوّلت إلى جرعة تدفع بالناس إلى الثورة استنادا لما حملته الذاكرة الشعبية عنه، لأننا نؤمن أنّ الثورات لا تبدأ فجأة إنما تأتي عبر تراكمات ثقافية واجتماعية حملتها الذاكرة الشعبية بالرغم من صعوبة بداياتها وطول مسارها،فقد كانت بدايتها "فلاق" والفلاق بهذا التصوّر المصطلحي هو المقاوم في راهننا اليوم .

بقلم زياد مشري باحث في العلوم الثقافية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.