
المزيانة نت | الحامة المزيانة | تاريخ
الحامة النضالي خلال عهد الإستعمار الفرنسي
من كتاب
الحامة و تاريخ و حضارة للأستاذ للهادي بن وناس الزريبي
1- أبناء الحامة والصراع مع الحماية 1881
2- مشايخ الحامة وثورة 1915 -1918
3- ثورة الدغباجي 1918-1920
4- أبناء الحامة والحركة الوطنية 1920-1955
5- أبناء الحامة والثورة التحريرية المسلحة
1952-1956
6- تجار الحامة والعمل السياسي
7- نشاط الحوامية بالعاصمة
1- مساهمة
قبائل الحامة في الصراع مع الحماية
لم تتخلّف مدينة الحامة بجميع قبائلها
: الوطّانة والرحّالة عن أي معركة، ولا عن أي نضال ضد ظالم أو غاصب محتل. وإنما كانت
سباقة إلى الدفاع عن الأرض والعرض. وبذل أبناؤها الأرواح رخيصة لرفع الظلم، ودفع الأذى
عن شعبهم، وحماية وطنهم. أمّا مساهمة قبائل الحامة في معارك الصراع مع ما سميّ _بالحماية
الفرنسية_ فقد كانت مساهمة فعالة بحيث لم يبقوا مكتوفي الأيدي ينتظرون حتى تأتيهم العساكر
الفرنسية إلى عقر دارهم، وتقتحم عليهم مدينتهم، وإنما ركبوا خيلهم وقطعوا الأميال العديدة
للذوّد عن إخوانهم في قابس والمطوية. يقول المرزوقي أثناء حديثه عن معركة قابس ونزول
الأسطول الفرنسي بشواطئها :" وكان المقرر أن يزحف الأسطول الفرنسي بعد إحتلال
صفاقس إلى قابس وجربة. وعلم المجاهدون بهذا القرار، فنصب علي بن خليفة وركز قيادته
بوادي ودران، بينما توجه أخوه صالح ورؤساء بني يزيد والحزم إلى قابس للمشاركة في الدفاع
عنها1". ويواصل المرزوقي حديثه عن مساهمة أبناء الحامة في الدفاع عن قابس أثناء
تنويهه بشجاعة إبراهيم الساسي النادرة وتصدّره لكل هجوم يشنّه المجاهدون على القوات
الفرنسية فيقول : " ولكنّنا نعلم أنه خفّ في فرسانه للدفاع عن قابس عند نزول الفرنسيين
بشواطئها في جويلية 1881 وشارك في الهجوم على المحلة التي إحتلت المنزل. ومن المعروف
أيضا أنّ إبراهيم الساسي هاجم المحلة الفرنسية التي إحتلت رأس الوادي، وأبلى هناك البلاء
الحسن. فكان يدفع بجواده إلى إقتحام مواقع الجيش ومدافعه وبنادقه. وخرج من هذه الإصطدمات
جريحا "2.
ولم
يشارك إبراهيم الساسي بمفرده كما يتبادر لذهن البعض، فقد أكد المرزوقي في بداية حديثه
أنه خف مع فرسانه للدفاع عن قابس. لقد كان الساسي يقود فرنسان بني يزيد في هذه المعارك
وكان بحقّ بطل الصراع مع الحماية في منطقة الاعراض. ومن المعارك التي ساهم فيها فرسان
الحامة مشاركتهم في الدفاع عن المطوية ووذرف
يقول المرزوقي في هذا الشأن : " ثم تركّزت هجومات الفرنسيين على المطوية ووذرف
حيث إشتدّت مقاومة سكان القريتين تعزّزهم فرسان بني يزيد ونفات" 3
ولكن
المرزوقي سامحه الله عندما يتحدث عن الهجوم
على الحامة التي بقيت آخر المعاقل بالجهة لم
تدخله القوات الفرنسية يذكر أنها إحتلت بدون مقاومة تذكر. ويمّر بعد أن يورد
هذا الخبر دون تعليق أو توضيح. وإليكم قوله هذا : " ووصل الفرنسيون إلى الحامة
فأحتلوها دون مقاومة تذكر يوم 3 ديسمبر 1881 ".
ومن يقرأ الجملة مجردة عما قبلها ودون تعليق بعدها يعتقد أن أهل الحامة
إستسلموا فعلا ولم يقاوموا. إن كلام المرزوقي في حاجة إلى التوضيح. فلا يعقل ولا يمكن
لفرسان سارعوا للدفاع عن منطقة الأعراض كلها ولا يدافعون عن أنفسهم وعن عائلاتهم. إنه
أمر لا يقبله من له ذرّة من العقل.
ولتوضيح
الحقيقة لابدّ من الإشارة إلى تواريخ إحتلال منطقة قابس مدينة بعد مدينة، وتحديد تسلسل
الوقائع بداية من الإنزال بالشاطئ ثم الهجوم على المنزل ثم رأس الوادي ثم المطوية ووذرف
ثم مطماطة. يقول المرزوقي نفسه محددا تواريخ هذه الأحداث " وفي 23 جويليا إتجه
الأسطول الفرنسي نحو قابس وإحتلّ ربض جارة
وزحفت الفرق الفرنسية بعد ذلك على المنزل فصادفت مقاومة عنيفة وبقيت قابس تقاوم
كامل شهر أكتوبر حتى تمكّن الفرنسيون من تدمير كامل المنزل يوم 11 نوفمبر. كما سقطت
مطماطة بخديعة من الليقرو حيث وقع الهجوم عليها 22-11-81 وقت نزول الأمطار وذلك لإبطال
مفعول مكاحل الصوان ".
ثم يحدد المرزوقي تاريخ توقف القبائل المساندة لقابس عن القتال فيقول:
"
وفي أواخر شهر أكتوبر
إجتمع زعماء قبائل بني يزيد والمثاليث والعقاربة ونفات أمام ضغط الفرنسين وإتفقوا على
الإنسحاب إلى طرابلس. وفي 20 نوفمبر إرتحل علي بن خليفة إلى وادي الزاس، وإلتحق به
أخوه صالح في 29 منه ودخلوا مع أتباعهم الحدود الليبية "4 .
لكنّ
الهجوم على الحامة وقع في 3 ديسمبر أي بعد
إستسلام المنطقة كلها وهجرة أغلب المجاهدين إلى ليبيا، وتوقف كل القبائل عن القتال
بما فيهم قبائل بني يزيد، حيث سيطرت الجيوش الفرنسية على كل قرى وأرياف منطقة الأعراض.
وبالإضافة إلى ذلك إنقسام بني يزيد بين محبذ للهجرة صحبة القبائل التي تبعت علي بن
خليفة على أمل العودة إلى مقاتلة الفرنسين بعد وصول نجدة السلطان العثماني. وبين مفضل
التعامل مع الواقع والخضوع للفرنسيين لحقن الدماء والمحافظة على الأعراض. وإزاء هذا
الإختلاف إنعقد ميعاد بني يزيد بسيدي قناو أواخر شهر أكتوبر لا لأخذ قرار في كيفية
الدفاع عن مدينة الحامة وإنما ليحسموا الخلاف في أمر الهجرة إلى ليبيا. أما موضوع القتال
والتصدي للفرنسيين فقد إنتهى أمره. وتمسك كلّ طرف برأيه فغادر البلاد من أصرّ على مبدأ
المقاومة وفضّل الهجرة على الإستسلام وهو يؤكد قولته المشهورة :
ننسب
يهودي ولا نقول يــزيدي **** عدوّ ديننا مـا نقوله يـــا سدي
وتعامل
مع اللّيقرو من آثر تجنّب سفك الدماء وحفظ أرواح النساء والصبية الأبرياء، لأن المقاومة
إنتهى أمرها. جاء في كتاب التاريخ المدرسي لتلاميذ السنة السابعة آداب لفترة السبعينات
ما يلي:
"
وألتأم في أوائل
أكتوبر 1881 ميعاد الحامة حيث أقرت الأغلبية الهجرة إلى إيالة طرابلس وعلل المقاومون
أنفسهم بأنهم سيعودون إلى البلاد مصحوبين بالجيش العثماني لتحرير البلاد أما الباقون
فقد تعاملوا مع الواقع".
ورغم
هذه االوضعية المؤلمة فإن من بقي من سكان المدينة لم يستسلموا إلا بعد سقوط عشرات الشهداء،
ونفاذ الذخيرة والمؤونة منهم. يقول السيد الهاشمي عبد المؤمن في مذكراته : "إن
مدينة الحامة تصدت للقوات الفرنسية الغازية فسقط العديد من الشهداء. وبقي برج المدينة
يطلق النار على الغزاة حتى نفذت منه الذخيرة وأخذ قائد الحامية إلى قلعة الكاف وبقي
أسيرا حتى وفاه الأجل هناك"5.
1- دور مشايخ الحامة في ثورة 1915-1918
تعتبر ثورة 1915-1918 حلقة من حلقات النضال المغاربي
عموما، ولبنة من لبنات صرح المقاومة التي عرفت بها منطقة الجنوب التونسي بالخصوص. وحديثنا
عن هذه الثورة ودور مشايخ الحامة فيها حديث شائك، وصعب التناول لإختلاف الروايات الشفوية،
وقلة المراجع المكتوبة، وإتساع المساحة التي يجب أن يتناولها الحديث.
الإعـداد للثورة
إغتنم المهاجرون التونسيون بتركيا وهم جماعة من
المفكرين والساسيين الكبار الذين أبعدتهم فرنسا عن وطنهم مثل علي باش حانبه وصالح الشريف
والمكي بن عزوز بمعية زعماء مغاربة من ليبيا والجزائر ومراكش، وزعماء مشارقة من مصر
وبلاد الشام. إغتنم هؤلاء فرصة الحرب العالمية الأولى وفكروا في ثورة لتحرير أوطانهم
من ربقة الإستعمار الأوروبي. وقد شجعهم على ذلك قرار الرابطة الشرقية الإسلامية التي
تكونت بمصر في هذه الفترة لإيقاف الزحف التبشيري المسيحي. ومثّل تونس بل قل بلاد المغرب
العربي في هذا المؤتمر المناضل عبد العزيز الثعالبي. وتقرر أثناءه البدأ بتحرير تونس
ليسهل المدد إلى ليبيا والجزائر. وهكذا بدأت الإتصلات بين التونسيين المتواجدين في
إسطنبول وبين المجاهدين المتواجدين في ليبيا كمحمد علي الحامي الذي إصطحبه القائد التركي
أنور باشا معه سنة 1912 ومصباح بريبش الغيلوفي وهو من الحامة أيضا إلتحق بليبيا سنة
1911 ضمن مجموعة لنجدة أخوانهم الليبيين ضدّ الغزو الإيطالي. ويقال أنه إلتحق هناك
بمدرسة عسكرية تركية ما بين 1912 و1915. وكان مصباح يحمل الرسائل من ليبيا إلى الحامة
للدعاية للثورة وإجراء الإتصلات بين القبائل.
يقول
محمد المرزوقي : " وكان بريبش أخطر رسول لحمل الأوامر السرية دون أن ينتبه إليه
أحد
" .
وكان
من ضمن هذه الرسائل منشور عام صادر عن شيخ الإسلام بإسطنبول يحثّ فيه المغاربة عموما
والمجندين بالخصوص للمساهمة في الثورة والفرار من العسكرية الإستعمارية. ونسخ مشايخ
الحامة أعدادا كبيرة من هذا المنشور ووزعوها في مناطق الجنوب الغربي والوسط"6
–انظر قسم الوثائق-.
وكان
الحاج عمار بوطارة وهو من الحامة كذلك من الشخصيات المعروفة لدى جمعية الرابطة الشرقية
حيث مكث بمصر ما يقارب السنة عندما ذهب لأداء فريضة الحج بسبب إنقطاع وسائل النقل وإندلاع
الحرب العالمية الأولى. فربط علاقة مع أعضاء هذه الرابطة التي كان لها دور في مساندة
ثورة 1915. يقول الأستاذ علال الفاسي في كتابه الحركات الإستقلالية في المغرب متحدثا
عن التحركات الأولى لهذه الثورة: "وكانت الأستانة في هذا العهد ملجأ لجميع الزعماء
المضطهدين من كافة العالم الإسلامي. ولما وصل إليها علي باش حانبة ظفر فيها بالعديد
من أبطال الجهاد العربي الأسلامي اللاّجئين أمثال محمد فريد وعبد العزيز جاويش والباروني
وأحمد فؤاد. وكان هذا الوسط يمثل نزعة الانبعاث الجديدة في العالم العربي، واليقضة
القومية والسياسية. فوجد هذا الزعيم المغربي في هذه البيئة ميدانا لإستناف نشاطه والعمل
على خدمة القضية التونسية خصوصا والمغاربية عموما. ثم أخذ يبعث الرسائل لنشر الدعوة
في تونس وربط الصلة بين أنور باشا وحسن قلاتي أحد الذين بقوا في تونس من حزب باش حانبة.
وكان يحمل هذه الرسائل بينهما مجاهد أسمه الحاج عمار بوطارة "7.
وتلاحظون
معي تضاربا في الظاهر بين الخبرين اللذين تحدثا بإقتضاب عن حامل الرسائل بين زعماء
هذه الثورة من إسطنبول إلى من بقي بتونس من حزب باش حانبة عن طريق الحامة. فقد أشار
المرزوقي إلى أن حامل هذه الرسائل هو مصباح بريبش، بينما يذكر علال فاسي أنّ الحاج
عمار بوطارة هو حامل الرسائل. والحقيقة والمطّلع على مراجع الثورة يظهر له تكاملا بين
الخبرين. وقد توصلت إلى هذه القناعة بعد بحث ومطالعة مستفيضة، منها الإطلاع على كتاب
علال الفاسي و الاتصال بمن رووا الأحداث عن آبائهم الذين شاركوا في الثورة مثل السيد
علي بن مصباح بريبش والحاج عامر الغيلوفي والحاج الكيلاني بن الحاج عمار بوطارة، وهؤلاء
الثلاثة سمعوا عن ابائهم خفايا هذه الأحداث وهم يؤكدون أن بريبش هو الذي كان يحمل الرسائل
من إسطنبول إلى الحامة. وقد روى المرزوقي خبره عن هؤلاء كما سمعته أنا منهم.
أما
علال الفاسي المؤرخ والزعيم المغاربي فإن مصادره أولائك الزعماء الذين يعيشون في مصر
والذين كوّنوا الرابطة الشرقية، وهم الذين إتصل بهم عمار بوطارة كما سبقت الإشارة.
ومن الأكيد أنهم حمّلوه رسائل كتابية وشفاهية لمن بقي من حزب باش حانبة بتونس حيث اغتنموا
فرصة الاتصال المباشر بشخص له علاقة بالقبائل التي ستنطلق الثورة من أراضيها. وبالتالي
فإني لا أرى تضاربا بين الخبرين. وإنما أرى تكاملا بينهما. فكل من بوطارة و بريبش حملا
قسما من هذه الرسائل، الأول حملها من مصر، والثاني أتى بها من إسطنبول وليبيا.
وجاء
مصباح بريبش بالرسائل إلى الحامة وإجتمع سرّا بشيوخها وعلى رأسهم والده عمر والحاج
عمار بوطارة والشيخ الحبيب الزائر. ثم عاد إلى ليبيا ومنها إلى إسطنبول ليعود ثانية
إلى الحامة حاملا تعليمات جديدة وخطة لوصول الأسلحة اللازمة للثورة مع منشور صادر عن
شيخ الإسلام بالأستانة الذي سبقت الإشارة إليه. وتعاهد مشايخ الحامة وأعيانها على الدعاية
للثورة وأن يكونوا جنودها الأشداء ودعاتها الأوفياء. يقول إمحمد المرزوقي في كتابه
دماء على الحدود : " وكان يتزعم حركة الحامة كل من المرحومين الحاج عمار بوطارة
الكاتب بإدارة الخلافة والشيخ الحبيب الزائر والشيخ علي فارس ومحمد بن الحاج إمحمد
والحاج محمد الذيب والناعس الشرياق والحاج محمد بن رجب، وإلى جانبهم عبد الله بن عبد
العزيز الحمروني نائبا عن قابس والشيخ الصغير السويح نائبا عن المطوية "8.
وفعلا بدأ مشايخ الحامة في الإتصلات بمناطق الجنوب والوسط فإتصلوا برؤساء
القبائل ومسائخها بجهة تطاوين ومارث وقفصة وغيرها من الجهات، وإرتبطت هذه الإتصالات
بالقيادة السياسية العليا بالعاصمة، وتولى الدعوة وتنظيم الصفوف بجهة الجنوب الغربي
الحاج سعيد بن عبد اللطيف الدبابي. ولكن السلطات الفرنسية أحست بشيء غيرعادي يجري بمنطقة
الجنوب الشرقي، فكتفت الحراسة على الحدود وإنتشر الجواسيس في كل مكان. ويقال أن كمية
من الأسلحة وصلت فعلا عن طريق ميناء الزارات، جاء على إثرها بريبش يحمل تعليمات جديدة،
وسافر الشيخ الحبيب الزائر حاملا هذه التعليمات إلى العاصمة وعند وصوله إلى محطة الأرتال
وقع القبض عليه. كما قبض على مشايخ الحامة وأعيانها الذين بلغ عددهم نحو العشرين نفرا،
حكم على أكثرهم بالسجن وعلى قلة بالنفي من الحامة. و لكن ما كاد ينتشر نبأ القبض على
مشايخ الحامة حتى دبّ الفشل في أغلب الجهات، كما أن شيوخ تطاوين وبنقردان سارعوا إلى
الإجتماع وكان يرأسهم الحاج سعيد بن عبد اللطيف والشيخ عمر الأبيض و شرعوا في ترحيل
النساء والأطفال إلى الحدود الليبية والإعلان عن الثورة المسلحة.
هكذا
بدأت الأعمال الحربية بشيئ من السرعة والعشوائية، ودون إعداد محكم ولا تكوين قيادة
عسكرية موحدة . فكانت العمليات الأولى أقرب إلى حرب عصبات منها بثورة مسلحة منظمة.
وفي
هذه الأثناء كان خليفة بن عسكر قد نظم صفوفه ليكون قائد الجناح الغربي للثورة التي
يشرف عليها في ليبيا سليمان الباروني مكلفا من قبل الزعماء المقيميين في إسطنبول. وسرعان
ما إلتحق ثوار تطاوين وبنقردان بصفوف ابن عسكر. هذا وكان بعض المجندين التونسيين بثكنة
الذهبية على علم بهذه التحضيرات. كما كان الدغباجي على إتصال بمشايخ الحامة. لذلك فرّ
من الثكنة وإلتحق بصفوف إبن عسكر. يقول إمحمد المرزوقي:
" ولم يكن الدغباجي بعيدا عن الأحداث حين
كان بحصن ذهيبة، فقد كان على إتصال بأهله، وله علم بإتفاق مشايخ بلده مع الجهات الأخرى
على إعلان الثورة
".
وأخيرا
فإذا كان دور الودارنة قدح زناد الثورة وإنطلاقها من أراضيهم، فإن دور مشايخ الحامة
يتمثل في:
1-
الدعاية للثورة.
2-
ربط الصلة بين القيادات
المحلية والوطنية والمغاربية.
3-
تجنيد أبنائهم ليلتحقوا
بصفوف الثورة.
4-
مواصلة الثورة والأبقاء
على شعلتها مثقدة بكامل الجنوب التونسي من قفصة حتى مدنين، فبعد أن خمدت المعارك التي
تولى قيادتها خليفة بن عسكر واصل محمد الدغباجي نضاله ضد القوات الفرنسية لمدة تزيد
عن السنتين. ولكنه إضطر إلى مغادرة الأراضي التونسية والعودة إلى ليبيا وذلك لشدة الضغط
عليه ولما لحق أهله وبلدته من إضطهاد. فقد وضعت الحامة تحت الحكم العسكري وجمعت قبائل
بني يزيد في معتقل جماعي بمنطقة أم العظام حتى لا يجد الدغباجي أي مساعدة، ولا أي معلومة
عن تحرك القوات الفرنسية. وبالتالي فإن ثورة 1915 لم تكن ثورة مشايخ الحامة ولا إنتفاضة
الودارنة وإنما هي ثورة مغاربية شاملة وقع التخطيط لها في إسطنبول من قبل مجموعة من
الزعماء المبعدين من المغاربة والعرب من مصر وليبيا وتونس والجزائر لتحرير أوطانهم
من الإستعمار الأوروبي. وقد كانت لهذه الثورة أبعاد بل قل تأثير مباشر على الحركات
الإستقلالية في المنطقة المغاربية، فتواصل النضال في هذه الأقطار حتى حققت استقلالها.
وقد خصصنا لهذه الثورة المغاربية كتابا كاملا تحت عنوان ثورة الجنوب 1915-1918 ودورها
في تحرير المغرب العربي، نرجوا لإطلاع عليه لمن يريد التعمق في الموضوع.
2- إنتفــاضة الدغباجي 1918-1920
الذي ثبت لدينا أن نضال محمد الدغباجي هو
في أساسه نضال ضمن ثورة 1915-1918 كما تقدمت الاشارة إلى ذلك. و لكن لما فشلت هذه الثورة
لم يستسلم هذا المجاهد و لم يلق بسلاحه وإنما واصل ثورته على الاستعمار الفرنسي من
داخل الأراضي التونسية، ومن هنا يمكن تقسيم نضاله إلى مرحلتين أساسيتين يجمع بينهما
هدف واحد لم يتخلّ عنه طيلة حياته النضالية، وهو أنّ ما قام به يندرج ضمن ثورة مغاربية
شاملة ذات أهداف عربية. كما أكد ذلك في رسالته لعامل قابس. وقد جاء في هذه الرسالة
:" .. و أنتم تطلبون منا الرجوع إلى ديارنا، لكن ألسنا في ديارنا؟ فحركتنا تمتد
من فاس إلى مصر ولا يستطيع أحد إيقافها. إنّنا رعايا حكومة أقوى من الحكومة التي تأتمرون
بأمرها. و نقسم على أنّنا لو لم نكن ننتظر ساعة الخلاص لأحرقنا كل شيء "9.
وقبل أن نعرّف بنضال الدغباجي لا بد من كلمة ولو موجزة عن حياته.
التعريف
بمحمد الدغباجي 1885 -1924
هو محمد بن صالح الزغباني الخريجي من بني يزيد، أما الدغباجي فهي كنية
خاصة به لا بأسرته، ولكن المرزوقي شكّك في نسب الدغباجي إلى قبيلة بني زغبة حيث يقول:
" ادّعى بعضهم نسبة الدغباجي إلى قبيلة زغبة ولكنني شخصيا أستبعد صحة هذه النسبة،
لأن المعروف أن قبائل بني يزيد كلها من سليم، وزغبة من هلال"10 .
هذا
الكلام لا يمكن التسليم به، ولا تركه دون رد. صحيح أن زغبة من بني هلال، وهو أمر لا
شك فيه. ولكن الأمر الصحيح أيضا أن بني يزيد ليسوا قبيلة واحدة ، وإنما هم عروش مختلفة
الأصول إجتمعت على مدلول الزيادة، فالخرجة خارجون عنهم والأصابعة ليسوا منهم، والزغابنة
من بني هلال هذه واحدة. والثانية فإن لقب الزغباني ليس خاصا بعائلة الدغباجي، وإنما
يطلق على عرش كبير توارث أبناؤه هذا النسب أبا عن جد من مئات السنين، وهم فرع من قبيلة
بني زغبة التي مرت بمنطقة الحامة واتجهت فروع منها إلى الشمال والجنوب الغربي وبقي
هذا الفرع مستقرا بالحامة.
ولد محمد الدغباجي حوالي 1885 بمنطقة وادي الزيتون. تعلم مبادئ القراءة
والكتابة، وحفظ قليلا من القرآن الكريم على مؤدب الحي. ولما وصل سنّ الشباب وقع تجنيده
الإجباري بالجيش الفرنسي حوالي سنة 1907. ولما أتمّ المدة القانونية التي دامت ثلاث
سنوات سرّح من الجيش سنة 1913 لكنه عاد و تطوع ثانية سنة 1915. وكان عند قيام الثورة
موجودا بثكنة رمادة، لذلك سهل عليه الفرار من الجندية والإلتحاق بصفوف الثورة ومصاحبة
خليفة بن عسكر طيلة سنواتها الثلاث. وبعد فشلها رفض الدغباجي إلقاء سلاحه ودخل الأراضي
التونسية وواصل نضاله ضد القوات الفرنسية من الداخل. وبالتالي فنضال الدغباجي لا ينحصر
في السنتين اللتين تحدث عنهما المرزوقي وأعتبرهما ثورة الدغباجي، وإنما يمتد نضاله
من سنة 1915 وإلتحاقه بصفوف بن عسكر إلى سنة 1920 عند القبض عليه وفراره بمساعدة مشائخ
الحامة. لذلك تنقسم هذه الفترة إلى مرحلتين، الأولى من 1915 إلى 1918 وهي التي قضاها
مع إبن عسكر. والثانية من 1918-1920 وهي المدة التي قاد خلالها بنفسه معارك ضد القوات
الفرنسية. وهو نضال متواصل الحلقات موحد الأهداف.
المرحلة
الأولى من نضال الدغباجي 1915-1918
وقعت الإشارة إلى الدغباجي عدة مرات أثناء
الحديث عن مساهمة مشايخ الحامة في ثورة 1915، لذلك لا نطيل الحديث عنه في هذه المرحلة.
لقد كان ضمن جيش مغاربي أغلب جنوده من التونسيين والليبين يقودهم القائد الليبي خليفة
إبن عسكر النالوتي، وقد شهد الدغباجي معه كل المعارك التي خاضها ضد الإيطاليين والفرنسيين.
يقول المرزوقي : " وفي أثناء مشاركته في وقائع الحدود إشتهر الدغباجي ببطولته
وحسن رمايته مما جعله ينال حظوة عند خليفة بن عسكر"11 .
ويشير
رفيقه في السلاح في هذه الجبهة الحاج علي كرار النالوتي إلى أبرز الوقائع التي شهدها
الدغباجي مع إبن عسكر فيقول : " كانت الأمور سنة 1917 غير متوترة بين بن عسكر
وفرنسا لذلك توجه بكل قوته لمقاتلة الإيطاليين الذين شددوا الحصار على الجبهة الساحلية،
ولكن فرنسا حاولت إستغلال هذا الظرف فطالبت إبن عسكر أن يسلّم لها المجاهدين التونسيين
الذين يقاتلون في صفوفه، فرفض هذا الطلب. ومما زاد الحالة توترا على الحدود التونسية
في هذه الفترة أن المجاهد إبن مذكور قتل ضابطا فرنسيا، فهجمت فرنسا على وازن. لكن المجاهدين
تصدوا للهجوم الفرنسي، ولصعوبة القتال على جبهتين إضطر إبن عسكر إلى عقد هدنة مع فرنسا.
وتوجه بمعية المقاتلين التونسيين إلى قتال الطليان. وكان الدغباجي في مقدمة هؤلاء المقاتلين
فحضر معه كل المعارك التي قادها خليفة بن عسكر. أما الهجوم الكبير على الطليان والذي
تكبد فيه خسائر فادحة فهو هجوم وادي الثلث. وبعدها نزل إبن عسكر في بوعجيلة، ثم توجهنا
لمحاصرة الطليان في الشط قرب زوارة. كما شهدنا معا معركة ذارب العيون التي حققنا فيها
إنتصارا كبيرا على الطليان. وقد تكون أهم معركة ساهم فيها الدغباجي ضد الطليان هي معركة
الجديدة التي وقعت سنة 1917".
وينوه
الحاج علي كرار بشجاعة الدغباجي مرددا أبياتا قالها الشاعر الليبي علي بن خليفة العطوي:
الدغبــاجي
لا ريت مثيـــلة **** رداد الـمنــــهـــوب
إمنين
يمـــدّ ويرمـي عيـنة **** عل ميـــلق مصـــبوب
إرحــل
شرّق نافــق عل دينه **** متعــلّي ع لــســــوف12
إركــب
هزاــته المشـــينة **** وخشّـــت بيه الــجــوف
المرحلة
الثانية من نضال الدغباجي 1918 – 1920
تقلصت المقاومة ضد الطليان إثر إنهزام المحور، وتراجعت
ألمانيا وتركيا عن دعم الثورة. وهنا خيّر خليفة بن عسكر المقاتلين التونسيين معه بين
العودة إلى الحياة المدنية، وبين مغادرة الأراضي الليبية، أي عدم الهجوم على فرنسا
من داخل الأراضي الليبية. وإزاء هذه الوضعية فضّل الدغباجي مغادرة أرض ليبيا والدخول
إلى الأراضي التونسية لمواجهة القوات الفرنسية من الداخل أملا في أن يتحرك الشعب التونسي
فتنموا المقاومة ويشتدّ إزرها وتنتشر في البلاد التونسية.
وقررّ
أن تكون الإنطلاقة من منطقة بني يزيد لتأكده من أنّ أهله لا يخذلونه ولا يسلّمونه للعدوّ.
وإنضم إليه من البداية أخويه عبد الله وخليفة، وبعض أبناء الحامة وورغمة وقبلي وقفصة.
وكان من أبرز من نسق معهم الثائر البشير بن سديرة وهو من الفارين أيضا من الجيش الفرنسي
سنة 1915 ثم كون هذا الأخير مجموعة خاصة به في جهة قفصة. وإنفصلت الجموعتان عن بعضهما
بعضا. لكي لا يقع تركيز فرنسا على جهة واحدة.
أهم
الوقائع التي قام بها الدغباجي خلال هذه الفترة
1- واقعة خنقة عيشة سنة 1919
يظهر أن رجوع الدغباجي وإستقراره ما بين
الحامة وقفصة كان في أواخر سنة 1918 وبذلك تكون المدة التي قضاها في مقاومة الفرنسيين
والتي قاد معاركها بنفسه لا تزيد عن العامين. أي من أوائل سنة 1919 تاريخ أول معركة
وهي معركة خنقة عيشة إلى أواخر ديسمبر 1920 تاريخ القبض عليه وفراره ثم عودته إلى ليبيا.
ويحاول
المرزوقي تحديد إنطلاق الوقائع التي قادها الدغباجي فيقول : " على إثر رجوعه من
طرابلس تسلل إلى جبال السقي على حدود قفصة والحامة، وهناك إتصل بالثائر البشير بن سديرة
وهو من الفارين من الجندية أيضا، وإنضمت العصابتان إلى بعضهما. وفي أوائل سنة 1919
تفطنت السلطة المحلية بقابس إلى وجودهما في خنقة عيشة فأرسلت لهما قوة من العساكر والقومية
وحدثت بين الجانبين معركة طاحنة أسفرت عن قتل بعض أعوان السلطة، وغنم الدغباجي ورفيقه
كمية من الأسلحة وأربعة من الخيول"13.
2- واقعة المحفورة سنة 1919
المحفورة هو إسم مكان قرب قفصة، تحصّن به المجاهدون
وكانت الجماعتان مازالتا مع بعضهما، ولما علمت السلطة في قفصة بالمجاهدين أرسلت لهما
قوة كبيرة من العسكر ومن الصبايحية تساعدهما مجموعة من الأهالي في مقدمتهم نصر بن سعيد
عامل قفصة. وإنطلق الرصاص بين الطرفين. ولما كان عدد القوات كبيرا لا قدرة للمجاهدين
بالتصدي له، إنسحبوا من المعركة دون خسائر سوى وقوع أحدهم في الأسر وهو حمد بن باش
شاوش. وبعد هذه المعركة إفترق الطرفان فتوجه البشير بن سديرة إلى جهة الهمامة. وقصد
الدغباجي منطقة السقي غرب الحامة. ويظهر أن هذه الواقعة جرت في أواخر سنة 1919 .
3- واقعة الزلوزة 01-01-1920
كان الملح في العهد الفرنسي من المواد التي لا تتاجر
فيها إلا الحكومة. وكان أهل الحامة وبني يزيد يتزودون من هذه المادة من ملح طبيعي يستخرج
من جبل حديفه بالسقي. بل كان البعض يتاجرون به، لذا كانت السلطة تتردد على هذه المنطقة،
وبخاصة أعوان القمارق الذين ألحقوا بالأهالي أضرارا كبيرة من تفتيش ودفع غرامات مادية
وتسليط عقوبات كالسجن أحيانا والتعنيف أحيانا أخرى. فشكوا أمرهم للدغباجي الذي كان
يتردد عليهم ويختفي في ذلك الجبل. لذلك قرر في 1 جانفي 1920 أن يتصدى لجماعة القمارق
ويخوض معهم معركة، فتحصن في مكان غير بعيد عن منجم الملح وأرسل من يعلم السلطة بأن
الدغباجي جاء لأخذ الملح من حديفة – مغارة الملح- وجاء أعوان الديوانة ولما قاربوا
من الوصول إلى جبل حديفة إعترضهم رجل يسوق حمارا ففتشوه فوجدوا عنده كمية من الملح.
ولما كانوا منشغلين بهذه العملية أطلق عليهم الرصاص من عدة جهات سقط على إثرها -البريقادي
بولو- وثلاثة من أعوانه قتلى ونجا واحد فقط يقال أن الدغباجي تركه ليعلم السلطة بما
حدث. ونكست الأعلام في الحامة وأقيم موكب تأبين لبولو وجماعته. وطلب من معلم العربية
بالمدرسة الإبتدائية المساهمة بنشيد يذكر فيه إسم الفقيد. فتفتقت قريحة السيد المعلم
على تحفيظ التلاميذ النشيد التالي :
مـات
البرقدي ** وجماعاته **
في غرة جانفي
وعادت
هذه العملية على أهل الحامة جميعا بالوبال والثبور والمصائب التي نزلت على رؤوسهم.
يقول المرزوقي : " وعلى إثر هذا الحادث ضرب حصار على بني يزيد فجمعتهم السلطة
في منطقة أم العظام غربي قرية بشيمة. وعمدت إلى ردم الآبار والمواجل لقطع المدد والماء
عن المجاهدين. ونقلت أهل الدغباجي إلى الحامة فوضعت الرجال في السجن والنساء في محتشد
خاص، وجندت من كل فريق مجموعة من الرجال لمطاردة الدغباجي بقيادة عمار بن عبد الله."
4- واقعة المغذية 06-04-1920
المغذية هي مكان بمنطقة الغرايرة من أراضي سيدي
مهذب، نزل به الدغباجي ورفاقه في 6 أفريل 1920. وحالما إستفروا بالمكان داهمتهم قوات
عمار بن عبد الله التي كانت تتعقب أثرهم من يوم واقعة الزلوزة. فأضطرّ إلى الخروج من
الدوار ولم تكد الجماعة تبتعد عنه قليلا حتى داهمتهم القوات قبل أن يتمركزوا بمكان
يكون أكثر أمنا، ويمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم. ففاجأتهم القوات بوابل من الرصاص أفقتدهم
القدرة على التصدي للعساكر والقومية. كما أن القوتين لم تكونا متكافئتين فكان المجاهدون
لا يزيدون عن أربعة عشرة نفرا، أمام ثلاثمائة من المجنّدين والصباحيّية المدجّجين بالسلاح،
بحيث كان من الصعب التصدي لهم إلا إذا كان المقصود من العملية الإنتحار. والأصعب منه
الإفلات من الطوق المحيط بهم في رابعة النهار وفي مكان مكشوف.
وأدرك
مشايخ بني يزيد أن إبنهم سيهلك لا محالة فطلبوا من قائد الحملة توقيف القتال والتفاهم
مع الدغباجي ليسلم نفسه حيا. وفعلا كان الأمر كذلك. ووضع الدغباجي مع خمسة من رفاقه
الأصحاء الذين بقوا على قيد الحياة في خيمة خاصة وشددوا عليهم الحراسة. وقبل بزوغ الفجر
شعر بعض مشايخ بني يزيد من عاقبه تسليم إبنهم للقوات الفرنسية، والمهانة التي لا يغفرها
لهم التاريح فأوعزوا له بالهروب من خلف البيت. وبعد سويعات نادوا في الناس بأن الدغباجي
تسلسل في ظلمة الليل في غفلة من الحراس. وشعرت السلطة بتواطئ المشايخ فحكمت على أكثرهم
بالسجن لمدد مختلفة وفي مقدمتهم الشيخ الناعس الشرياق. ويصف المرزوقي المعركة وكيفية
هروب الدغباجي فيقول : " بدأت المعركة في قوة وعنف، وإستطاعت القوات الحكومية
أن تطوّق العصابة. وقد أدرك الدغباجي بعد سقوط وإصابة عدد من رفاقه بين جرجى وقتلى
كما جرح هو في ذراعه الأيسر، أدرك أن ذخيرته تضمحل وأن الطوق حواله متين.كما أدرك أبناء
عمه ممن هم في جانب القوة الحكومية أن إبنهم أصبح بين أنياب الموت فقرروا أشياء سرّية
لا علم لقائد الحملة بها ولا أعوان الحكومة. ورغم أن القائد تفطّن للمؤامرة لكنه لم
يرفض طلبهم عندما طلبوا منه إيقاف القتال، كما طلبوا من الدغباجي أن يسلم نفسه"
15.
ثم يشير
المرزوقي إلى الروايات المختلفة لإفلات الدغباجي. واحدة منها تشابه ما تقدم ذكره، والأخرى
وهي الرواية الحكومية التي وردت في تقرير السلطة والتي تقول: " وتبادلت القوات
مع الدغباجي وجماعته إطلاق النار حتى أرخى الليل سدوله. فأذن الضابط الفرنسي وعمار
بن عبد الله ومرؤوسيه بملازمة الحصار حول الدغباجي وجماعته حتى الصباح. ليقع القبض
عليهم أحياء. لكن الدغباجي أفلت ومن معه في تلك الليلة بمهارته. ويذكر بعض الناس أن
المحاصرين كانوا من أصلي الحامة فعز عليهم تسليمه
للفرنسيين. فأخلوا له فجوة في الحصار المضروب تمكّن من الفرار منها مع جماعة
له"14.
وأعتقد
أن الروايتين متشابهتان، لأن النتيجة واحدة وهي مساعدة بني يزيد إبنهم على الفرار.
المشاركون
في هذه المعركة من الثوار :
1-
محمد الدغباجي من بني يزيد
2-
المبروك بن مفتاح من بني يزيد
3-
صالح لعماري من بني يزيد
4-
إبراهيم بن حفيظ
الشعيلي من بني يزيد
5-
محمد بن عمار الجماعي من بني يزيد
6-أحمد بن مرزوق الغيلوفي من بني يزيد
7-
حسين الجماعي من بني يزيد
8-
عامر الجماعي من بني يزيد
9-
بلقاسم بن لطيف الجماعي من بني يزيد
10-
المبروك الربعي من بني يزيد
11-
محمد بن سعيد الدباغيى من تطاوين
12-
واحد من الحزم من أحواز قابس
13-
عمر كريد الحامدي من حوامد ليبيا
14-
واحد من غمراسن غمراسن
نتــائج
المعركة
الشهداء من المجاهدين : أحمد بن مرزوق الغيلوفي
أما
الجرحى فهم:
1- إبراهيم بن حفيظ
2- حسين الجماعي
3- محمد بن عمار
4- الحزامي
5- الربعي
6- محمد بن سعيد الدبابي
وقد
حكم على هؤلاء جميعا بالأعدام.
أما الذين ثبتت مصاحبتهم للدغباجي إثر فراره وواصلوا معه الصحبة حتى دخلوا
الأراضي الليبية فهم أربعة وهو خامسهم : المبروك بن مفتاح، صالح لعماري، بلقاسم بن
لطيف، عمر كريد الحامدي والدغباجي طبعا. وقد حضر هؤلاء الخمسة الجلبانية.
5- معركة الجلبانية 12 أفريل 1920
هذه المعركة الأخيرة للدغباجي. وقد وقعت أثناء ملاحقته
ومطاردته قبل الوصول إلى الحدود الليبية. وقعت المعركة بالضبط بمكان يقال له الجلبانية
يقع غربي بني خداش حيث أدرك الصبائحية العشرة محمد الدغباجي الجريح ورفاقه الأربعة
بعد الزوال.
وسرعان
ما إلتحم الإشتباك بين الطرفين فسقط خمسة من الذين كانوا يتتبعون الجرة، فما كان من
الخمسة الباقين إلا الهروب والنجاة بأرواحهم.
وسجّل
الشعراء هذه المعركة بقصيد إنتشر في أنحاء البلاد التونسية والليبية نذكر منه المطلع
فقط.
الخمسة
إللي لحقوا بالجرّة **** وملك الموت يراجي
لحقوا
مالا العركة المـرة **** المشهور الدغباجي
أسماء
الخمسة الذين كان الموت يترقبهّم من الصبايحية:
الشاوش المبروك الحرابي من بني خداش
الكيلاني بن حمودة المحضاوي من بني خداش
أحمد بن سعيد بن عبد القادر من بني خداش
محمد الجليدي بن عمر من مطماطة
الجيلاني بن عمر البلعزي من مطماطة
أما الخمسة الذين فرّوا فهم:
محمود بالطاهر بالقائد من مطماطة
عبد الرحمان فطوش من مطماطة
أحمد بن سعيد الحرّازي من مدنين
صالح العصادي من جربة
مبارك بن سليم الحداد من بني يزيد.
وروى المبروك بن مفتاح رفيق الدغباجي هذه الحادثة
فقال : " كنا جالسين للراحة صباحا. وقد أوقدنا نارا وطرحنا فيها أرنبا نشويها،
فظهرت لنا خيل من بعيد تتبع آثارنا. وكان لا بد من الدفاع عن أنفسنا فالأرض عارية والخيل
أسرع منا. فأسرعنا إلى ربوة قريبة وإنتصبنا في المكان إستعدادا للمواجهة. لكن الدغباجي
الجريح إختفى خلف شجرات صغيرة في أسفل الربوة وفي منخفض يخفيه عن اللاحقين بنا. وكنا
أربعة إذ أن رفيقنا الخامس الغمراسني فارقنا قبل المعركة بقليل وإلتحق بأهله. وكنت
في أعلى الربوة أنا وبلقاسم بن لطيف وعمر كريد الحامدي، منتظرين وصول الفرسان. بينما
كان الدغباجي في مخبئه. وكان اللاحقون يتسابقون نحونا حين رأونا. وأغاروا علينا فرسانا.
وبدأ إطلاق الرصاص بيننا فكانوا يتساقطون الواحد تلوى الآخر. فكان لإخفاء الدغباجي
في أسفل الربوة الذي لم يروه أثر عظيم في إنتصارنا. كذلك كان لهجومهم علينا وهم فرسانا أثره أيضا حيث واتي فيهم الضرب"16.
مساهمة
أبناء الحامة في الحركة الوطنية 1920-1956:
الحركة الوطنية التحريرية لم تبدأ سنة
1952، ولا سنة 1934. وإنما بدأت المقاومة من يوم الإحتلال بحيث لم يستسلم الشعب التونسي
للمستعمر ولو لحظة. بل قاومه في كل جهات البلاد. ورفع في وجهه السلاح، فأستشهد كثيرون
على طول البلاد وعرضها. وسجن من التونسين بالآلاف.
وبعد
فترة من الخمول نتيجة الجهل والفقر وتسلط البايات وقسوتهم، وكذلك الإنبهار بالحضارة
الغربية الغازية، نهض الشعب من جديد بداية من القرن العشرين فتمرد على الإجراءات والقرارات
التعسفية التي تكرّس الإستعمار، وتستهدف المقومات الوطنية من لغة ودين لتذويب الشخصية
التونسية وتضييع الهوية الوطنية. وقد تزامنت أحداث الزلاج 1911 مع هجوم إيطاليا على
الشقيقة ليبيا فتحرك الشعب التونسي لمناصرة إخوانه وجيرانه، وكذلك تصدّى للقوات الفرنسية
التي أرادت الإستحواذ على مقبرة الزلاج التاريخية. وكانت هذه الأحداث منطلقا لوعي إجتماعي
شامل ساهم فيه الأدباء والساسيون على حدّ سواء في مقدمتهم الطاهر الحداد وعلي باش حانبه.
كما ساهم الطلبة الزيتونيون بعد إنبعاث جمعية صوت الطالب سنة 1910 التي كان هدفها إصلاح
التعليم الزيتوني. وقد عقد إجتماعها التأسيسي بقاعة الخلدونية سنة 1907 ثم شرعوا في
تحديد المطالب ورسم المنهج الإصلاحي للتعليم. ولما لم تقع الإستجابة لمطالبهم قرروا
الإضراب العام إبتداء من 16 أفريل 1910. وتظاهروا أمام دار الحكومة فسجن البعض منهم.
ثم عقدوا تجمعا خطابيا تحسيسيا عاما بصحن الجامع الأعظم خطب فيه نواب الطلبة ورموز
الحركة السياسية في مقدمتهم علي باش حانبه الذي فاخر بنشاط الطلبة وبارك حركتهم وتعاطف
معهم وأعتبر نفسه واحدا منهم بحكم دراسته في جامع الزيتونة لمدة سنتين كاملتين، ووعدهم
بفتح جريدته للدفاع عن مطالبهم .
وإلى
جانب هذه الحركة الزيتونية الرائدة نشط نادي قدماء الصادقية لتعميق الوعي لدى تلاميذ
هذه المؤسسة بإلقاء المحاضرات التي أصبحت تلقى باللغة العربية. وقد إفتتحها الشيخ الفاضل
بن عاشور في ربيع 1906 بمحاضرة عنوانها : أصول التقدم والمدنية في الحضارة الإسلامية.
وقد
سبق هذا التحرك الطلابي نشاط سياسي كان على رأسه المحامي النشيط والسياسي الصلب علي
باش حانبة الذي وقع هضم جانبه كثيرا بالتعتيم على نشاطه، وتجاهل مساهماته الرائدة في
توجيه الشباب وتأطيرهم. لقد كان علي باش حانبة من الرواد الأوائل في بعث حركة وطنية
صادقة، والعمل الجدّي لمقاومة الإستعمار سواء لما كان بتونس أو بعد أن نفي إلى إسطنبول.
ولكنّ بورقيبة بالذات تجاهل دوره، كما سخر من رموز الحزب القديم، ورماهم بالخيانة والتواطئ
مع الإستعمار ليكون هو المجاهد الأوحد في الساحة. وهذا المؤرخ التونسي محمد الهادي
الشريف يقيّم باش حانبة فيقول : " وفي فيفري 1907 ظهرت جماعة الشباب التونسي إلى
الوجود، بإصدارها جريدة التونسي. ومن أبرز أعلامها المحامي الشاب علي باش حانبة الذي
ينتمي إلى عائلة كانت ذات شأن قبل الحماية، والجامع بين ثقافة أووربية متينة وتكوين
عربي إسلامي صحيح. فكان بذلك مسلحا أكثر ممن سبقه من الوطنيين للدفاع عن بني قومه،
وتعاطى الكفاح السياسي. ويمكن إعتبار علي باش حانبة أصدق ممثل لجماعة الشباب التونسي
من النواحي الإجتماعية والثقافية والسياسية "17.
إن باش
حانبه قيادي من طراز خاص ومناضل صلب العريكة ومقاوم عنيد. كان له الفضل في بعث النوادي
وإصدار الصحف- التونسي– وإنشاء الأحزاب -حزب الشباب التونسي-وكان يعقد الإجتماعات والندوات
التي تضمّ أصنافا مختلفة من الشعب التونسي : المحامي والطبيب والصيدلي والأستاذ والصحفي
والتاجر. وكوّن لجانا لجمع الإعانات والتبرّعات والمتطوعين لمساندة الأخوة الليبيين
عندما غزى الطليان بلادهم لذلك أصرّت السلطات الفرنسية على إبعاده ونفيه. نعم لقد تصدت
السلطات الفرنسية لحركة الشباب التونسي التي جمعت المثقفين من مختلف الطبقات ووحدت
صفوف الطلاب من زيتونيين وصادقيين لبعث حركة وطنية شاملة.
وفي
هذا الإطار وفي هذا الجو والنشاط الوطني الصادق صدر كتاب الثعالبي تونس الشهيدة الذي
سارعت القوات الفرنسية إلى مصادرته ومنعت رواجه، فكان ذلك عاملا من عوامل إنتشاره في
الداخل والخارج. كما أكسب القضيّة التونسية دفعا كبيرا وشهرة واسعة. هذا وأوقفت السلطة
الفرنسية كل الصحف وأغلقت النوادي الأمر الذي أجبر الساسة على الإجتمعات السرية وتوزيع
النشريات الداخلية .
وكان
من نتيجة هذا الضغط الخارجي والحيوية والنشاط الداخلي إنبعاث الحزب القديم سنة
1920.
أولا
:مساهمة أبناء الحامة في تكوين الحزب القديم 1920
لقد
كان أبناء الحامة مساهمين في الأنشطة السابقة الذكر، متابعين وفاعلين في هذه التحركات
السياسية والجهاديّة سواء من كان منهم بالعاصمة أو من كانوا بالحامة.
- لقد أرسلوا أبناءهم للتطوع في الجهاد الليبي ضد
الطليان 1911-1912، وفي مقدمة هؤلاء المتطوعين محمد علي الحامي ومصباح بريبش ومجموعة
من الغياليف.
- مساهمة
مشايخ الحامة في الثورة المغاربية 1915-1918.
- حركة الدغباجي التمردية ضد الإستعمار الفرنسي
1918-1920.
- تكوين
شعبة دستورية للحزب القديم بالحامة سنة 1922 تضم أكثر من خمسين عضوا.
-
كان للحوامية المقمين
بالعاصمة نشاط سياسي بارز وفاعل في صنع الأحداث ما بين الحربين. ومن هؤلاء نذكر السادة
التالية أسمائهم. الطاهر الحداد،الشيخ قاسم الوافي،مفتاح فرحات، الطاهر دعيب،محمد بن
عبد الصمد وأخيه مبروك وغيرهم.
1-الطاهر الحداد : وهو أشهر من أن يعرّف،
وسنشير هنا إلى نشاطه السياسي بكل إختصار لقد كان
الحداد ممن ساهموا في تكوين الحزب القديم وإنتخب ضمن الهيأة المديرة مكلفا بالدعاية
وتأطير الشباب. كما كان من أقرب الأعضاء للزعيم الثعالبي. ويقال أنه أمّنه على الحزب
عند خروجه منفيا سنة 1923، ولكنّ خلاف الحداد مع محي الدين القليبي وموقف هذا الأخير
من معركة السفور والحجاب إثر صدور كتاب إمرأتنا في الشريعة والمجتمع جعل الأمر يتطور
بين الرجلين إلى أن أصبح على صفحات الجرائد، بدأها الطاهر الحداد بمقال بجريدة الزمان في 2 ماي
1922عنوانه- كيف يتلاعب محي الدين بمصالح الوطن-. وردّ محي الدين متّهما الحداد بالإنظمام
إلى جماعة الشيوعيين الذين أنشؤوا النقابة التونسية ويقصد بذلك جماعة محمد علي. ولكنّ
الحداد لم يسكت فرد بمقال عنيف جدا وقاسيا بجريدة الأمّّّة في 14-10-1923. ثم جمّد
نشاطه في الحزب بعد ذلك. وما لبث أن إستقال منه عندما إنضمّ الحزب إلى المشائخ الذين
تصدوا لكتاب الطاهر الحداد -إمرأتنا في الشريعة والمجتمع-. هذا وقد تخلّى كل من الحزبيين
القدامى والجدد عن الطاهر الحداد ومحمد علي، وبقي الإثنان يصارعان قدرهما بمساندة قلة
من الشرفاء الصامدين من مثقفين وعمال.
2-
الشيخ قاسم الوافي:
كان الشيخ قاسم الوافي عضوا فاعلا في إنشاء الحزب القديم 1920. وكان من الهيأة المسيرة
له لعدة سنوات. كما كان مكلّفا بجمع الأموال والتبرعات للحزب في منطقة الشمال الغربي.
3-4-5 مفتاح فرحات ومفتاح سعد الله و محمد بن
عبد الصمد:
كان
للمناضلين الأولين نشاط في العمل السياسي قبل سنة 1930 وكان لهما دور كبير في ثورة
السجن بمعية محمد شرشور 1942 وقد أعدما إثر هذه الثورة .أما محمد بن عبد الصمد فكان
من أوائل العمال الذين إنضمّوا للحزب القديم، وهو الذي أشرف على تكوين أخيه المبروك
الذي كان يحضر إجتماعات الحزب وهو مازال شابا.
6-
7-8- الطاهر
دعيب و الطيب الشريف و المبروك عبد الصمد:
كان
الشيخ الطاهر دعيب سنة 1928 شابا حاصلا على شهادة التطويع الزيتونية، متحمّسا للعمل
السياسي، فأنضمّ للحزب القديم ثم إنسلخ عنه ضمن مجموعة الشباب الذين خرجوا من اللجنة
التنفذية وكونوا الحزب الجديد 1934.
هذا
وقد كان لكلّ من الطيب الشريف والمبروك عبد الصمد دور أساسي في بعث شعبة الحوامية بالعاصمة
كما كان دورهما كبيرا في العمل التخريبي ضدّ المصالح الفرنسيّة بين سنة 1952-1956 لحصول
تونس على إستقلالها.
شعبة
الحزب القديم بالحامة سنة 1922
حالما تكون الحزب الحر الدستوري القديم عام
1920 بالعاصمة نشط مؤسسوه وسارعوا إلى القيام بجولات في أنحاء البلاد التونسية. ويشير
الأستاذ يوسف مناصرية في كتابه الحزب الحر الدستوري التونسي القديم ص 74 إلى نشاط هذا
الحزب معدّدا المدن التي أنشئت فيها فروع له فيقول : " وقام الحزب الدستوري بتأسيس
شعب له في أنحاء البلاد، في بنزرت وماطر وباجة وسوسة والقيروان والمهدية وصفاقس وقابس
والحامة. وركّز نشاطه في باقي المدن الأخرى عن طريق خلايا صغيرة "18.
وبالإضافة
إلى الأدلة الكتابية والشفاهية التي تشير إلى تأسيس شعبة دستورية سنة 1922 بالحامة
فلدينا دليل مادي يتمثل في وجود إشتراكين في هذه الشعبة المتحدث عنها أحدهما بإسم محمد
الصغير بن وناس الزريبي والثاني بإسم إبنه وناس بن محمد الصغير الزريبي. هذا وإنّ العثور
اليوم على مثل هذه الوثائق نادر جدا في البلاد التونسية. انظر قسم الوثائق.
ويؤكد
الطاهر دعيب الذي حضر جلسة التأسيس أن الإجتماع عقد في جامع سيدي عبد الله بالدبدابة
وقد أشرف على الجلسة الشيخ محمود الشافعي من توزر. وحضر الإجتماع ما يزيد عن خمسين
شخصا من أعيان الحامة إنتخبوا الهيأة التالية :
الرئيس
: السيد عمار بن سالم المشري
الكاتب
العام : السيد بلقاسم بن عبد الله العيدودي
أمين
المال: راشد بن السوداني
الأعضاء
: صالح بن زائد الزريبي ،علي فارس ، محمود بن إبراهيم الشايبي، الحاج محمد حمادي الفطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق